القديس بوليكاربوس اسقف سميرنا وتلميذ يوحنا البشير
بدا حياته في أواخر الجيل الاول المسيحي وتتلمذ للقديس يوحنا الإنجيلي. وهو الذي يعنيه الرب بقوله " اكتب إلى ملاك كنيسة سميرنا. هذا يقوله الاول والأخر... انا اعرف أعمالك وضيقتك وفقرك مع انك غني، وتجديف القائلين انهم يهود وليسوا يهودا بل هم مجمع الشيطان. لا تخف البتة ممن أنت عتيد إن تتألم به. هوذا إبليس مزمع إن يلقي بعضا منكم في السجن لكي تجربوا ويكون لكم ضيق عشرة ايام. كن أمينا إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة". وقد سافر القديس إلى رومية سنة 157 م لإقناع انيكسيتوس أسقف رومية بشان عيد الفصح ثم عاد وباشر أعماله الرعوية وأقام علي كرسي الرعاية زمانا كبيرا حتى شاخ. ووضع مقالات كثيرة وميامر عديدة عن الميلاد المقدس والموت والجحيم والعذاب، وعن العذراء القديسة مريم وعن تدبيرات المخلص وغير ذلك وجذب إلى الرب نفوسا كثيرة بتعاليمه المحيية.
و لما أثار مرقس اوريليوس الاضطهاد علي المسيحيين ضيقوا الخناق علي القديس قائلين احلف فنطلق سراحك. اشتم المسيح. فأجاب بوليكاربوس قائلا ستة وثمانين سنة خدمته ولم يفعل لي ضررا فكيف أجدف علي ملكي الذي خلصني؟ ثم قال له الوالي إن كنت تستخف بالوحوش فسأجعل النيران تلتهمك، إلا إذا تبت. فقال القديس بوليكاربوس انك تهددني بالنار التي تشتعل ساعة وبعد قليل تنطفئ لأنك لا تعرف نار الدينونة العتيدة والقصاص الأبدي المحفوظ للأشرار ولكن لماذا تتباطأ افعل ما بدا لك. فلنتابع التفاصيل....
التفاصيل:
بوليكربس في صباه
ولد بوليكربوس حوالي سنة 70م وتنصر في صباه , ويروي عنه كلارك C . P . S Clarke القصة التالية :
" كانت هناك سيدة تقية , لها أعمال صالحة تدعى " كالستو Callisto " , ظهر لها ملاك من الله 454في أحد الليالي وقال لها في حلم " كاليستو . إستيقظي وإذهبي إلي بوابة الأفسين Ephesian , وعندما تسيري قليلاً ستلتقين برجلين معهما ولد صغير يدعى " بوليكربوس " , إسأليهما إن كان هذا الولد للبيع . وعندما يجيبانك بالأيجاب إدفعي لهما الثمن المطلوب , وخذي الصبي وإحتفظي به عندك . إنه طفل شرقي... " .
أطاعت كاليستو الرؤيا فوجدت كل ما قيل لها عنه في الرؤيا , فاشترت بوليكربس وأودعته منزلها , وعندما نمى جعلته مدبراً لممتلكاتها .
حدث مرة أنها سافرت لأمر ما , فجعلت بوليكربوس أميناً على مخازنها . فالتفت حوله الأيتام والأرامل والمحتاجون , كل يطلب إحتياجه . وإذا كان بوليكربس ينفذ الوصية " من سألك إعطه" بإيمان وفي حرفية , أفرغ كل المخازن على المحتاجين. فلما عادت كاليستو أخبرها العبد زميله بما فعله بوليكروبس فأستدعته وطلبت منه مفاتيح المخازن , فلما فتحت المخازن وجدتها مملوءة كما كانت. فأمرت بعقاب العبد الذي وشى ببوليكربوس .
لكن للحال طلب بوليكربس من السيدة أن تعفو عنه , معترفاً لها بحقيقة الأمر , أنه أفرغ جميع المخازن في عطائه للفقراء . فأندهشت كاليستو من هذه المعجزة حتى تبنت بوليكربوس ليرث ممتلكاتها بعد وفاتها .
وإذ كان بوليكربس مسيحياً مؤمناً , لم تؤثر الثروة الطائلة على محبته لله وإيمانه .
ومن أعماله الطيبة التي أوردها عنه كلارك أنه كان يذهب إلي الطريق الذي يعود منه حاملي الحطب من الضواحي , فكان يختار أكبرهم سناً ويشتري منه الحطب ويحمله بنفسه إلي أرملة فقيرة .
بوليكربوس الكاهن
يذكر كلارك أيضاً بأن بوكوليس Bucolus أسقف سميرنا رسمه شماساً , فقام بالتبشير بالمسيحية بالكلام ( الوعظ والتبشير ) والقدوة الطيبة , مواجهاً الأمم واليهود والهراطقة . ثم رسمه كاهناً وقد شهد عنه الأسقف قائلاً بأنه يدرك أن بوليكربس ممتاز جداً حتى يليقأن يكون مشيراً له ومشارك له في التعليم .
وقد رسم بوليكربس وهو صغير السن , رغم أن درجات الكهنوت لم تكن تعطى إلا لكبار السن .
بوليكربوس أسقف سميرنا
جاء في الكتاب الثالث ضد الهراطقة للقديس أيريناوس الشهيد أسقف ليون تلميذ القديس بوليكربس ما يلي " وأما بوليكربس أيضاً ليس فقط قد تعلم بواسطة الرسل , في آسيا أقيم أسقفاً في سميرنا. هذا الذي رأيته أيضاً في صغري " .
والذي أقام بوليكربس أسقفاً هو يوحنا الحبيب قبل أن ينفى إلي جزيرة بطمس كقول ترتليان .
قد ذهب البعض إلي أن ما جاء في سفر الرؤيا بخصوص ملاك كنيسة سميرنا , يقصد به بوليكربوس , وهو الوحيد بين الأساقفة السبعة الذي وجده السيد المسيح باراً خالياً من كل عيب أو لوم إذ خاطبه قائلاً " وأكتب إلي ملاك كنيسة سميرنا. هذا يقوله الأول والآخر الذي كان ميتاً فعاش. أنا عارف أعمالك وضيقتك وفقرك . مع أنك غني. وتجديف القائلين أنهم يهود وليسوا يهوداً بل هم مجمع الشيطان . لا تخف البته مما أنت عتيد أن تتألم به. هوذا إبليس مزمع أن يلقي بعضاً منكم في السجن لكي تجربوا ويكون لكم ضيق عشرة أيام. كن أميناً إلي الموت فسأعطيك أكليل الحياة " رؤ 2: 8 – 10 .
وفعلاً إضطهده الوثنيون والهراطقة والإخوة الكذبة.
وقد شهد عنه تلميذه القديس ايريناوس في خطابه إلي Vlorlnus قائلاً
" إنه إلي الآن لم يزل ثابتاً في مخيلتي نوع الاحتشام والرصانة التي كان متضعاً بها القديس بوليكربس مع إحترام هيئته ووقار طلعته وقداسة سيرته وتلك الارشادات الإلهية التي كان يعلمها لرعيته. وبأبلغ من ذلك كأني أسمع حتى الآن الفاظه التي كان يخبر بها مفصلاً عن المخاطبات التي حدثت بينه وبين القديس يوحنا الأنجيلي وغيره من القديسين الذين شاهدوا يسوع المسيح على الأرض وترددوا معه وعن الحقائق التي أخزها عنهم وتعلمها منهم " .
بوليكربوس ومرقيون
مرقيون المبتدع
مرقيون إبن أسقف سينوب. تأثر مرقيون بالغنوسية التي تنادي بمبادئ خطيرة أهمها أن الشر له مبدأ غير الله , إذ لا يمكن أن يكون الله الخير الأعظم مصدراً للشر, ومبدأ الشر هو إله الشر والآخر إله الخير. والمادة هي شر .
إعتنق مرقيون هه المبادئ كغيره من الذين مزجوا المبادئ الغنوصية في المسيحية محاولين أن يجدوا في المسيحية ما يثبت صحة مبادئهم . فلما أدرك والده أن مرقيون يبشر بمسيحية غنوصية ( أن جاز التعبير ) غضب عليه وقطعه من شركة الكنيسة . فخرج من سينوب وجال يبشر بمبادئه في آسيا الصغرى .
وفيما يلي أهم المبادئ التي أعتنقها مرقيون :-
1-يوجد ثلاث مبادئ ( علل أولى ) , الأول طاهر جداً . والثاني ردئ جداً هو إله الشر, والثالث متوسط بينهما هوالمهندس الأعظم الخالق للعالم المادي , هذا الذي تحدث عنه العهد القديم وعبده الشعب اليهودي .
2-إله العهد القديم خالق للمادة , والمادة شر, فهو أدنى من إله المسيحين ومستقل عنه رغم أزليته وكونه خالق غير مخلوق .
إله العهد القديم إله الخليقة والناموس , والثاني إله الرحمة . فلا يمكن إختيار الأثنين معاً , فأما أن نختار محبة المسيح اللانهائية أو عدالة إله الخليقة العادل القاسي .
3-كانت هناك حرب دائمة بين إله الشر والإله الخالق لأن كل منهما يريد أن يعبد في العالم. فأرسل الإله الطاهر الصالح المسيح لابساً هيئة الجسد , دون أن يأخذ جسداً حقيقياً , حتى يخرب مملكتي الإله الخالق والذي يتعبد له اليهود وإله الشر الذي يتعبد له الأمم عبدة الأوثان.
4-بما أن العالم المادي كله شر وليس للمخلص أي صلة بإله الخليقة , لذلك فأن المخلص لبس هيئة جسد خيالية , فهو لم يكن بشراً ولم يولد لكن شبه لهم في كنيس كفرناحوم أولاً في السنة الخامسة عشر لحكم طيباريوس قيصر ثم في سائر الجليل واليهودية والسامرة .
5-حاول أن يثبت معتقداته من الكتاب المقدس , لذلك رفض العهد القديم لأنه يتحدث عن إله الخليقة العادل كما رفض النبوات الواردة فيه .
أما العهد الجديد فقد وجد فى مقارنة بولس الرسول بين الجسد و الروح ( رو8: 22- 25، 1كو15 : 50 ) وحديثه عن المسيح الفائز على الرئاسات والسلاطين الذين هم " ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر " كو2: 15 , أف 6: 12 ... وغيرها مما يحسب أنه بذلك يستطيع إثبات مذهبه فى خيالية تجسد المسيح .. ؛ لهذا السبب نادى بان الرسل لم يستطيعوا فهم تعاليم المسيح فهماً صحيحاً فأرسل بولس الرسول ليصحح تعاليمهم .
و لهذا السبب أعتمد على أنجيل لوقا أيضاً , وقد أضاف أتباعه الى انجيل لوقا ورسائل بولس الرسول رسالة مرقيون فى التناقض بين التوراة والأنجيل فكان لهم كتاب مقدس خاص بهم شاع أستعماله فى كنائسهم .
6- يرى مرقيون أن ما جاء فى رسائل بولس الرسول عن إله الخليقة مدسوس وليس حقيقى .
7- الخلاص مقدم لخاصة معينة وليس للجميع .
8- تحريم الزواج مع التنسك الزائد فى المأكولات والمشروبات .
9- يسمح بإعادة المعمودية لمن أخطاؤا .
موقف بوليكربوس منه
كشف لنا تلميذه إيريناوس عن جهاده ضد الهراطقة وبخاصة مرقيون , و فيما يلى بعض أقواله التى ذكرها يوسابيوس القيصرى ( ك 4 , ف 14 ) .
" ويشهد لهذه الأمور كل كنائس أسيا , ويشهد أيضا أولئك الذين الى عصرنا هذا خلفوا بوليكربس الذى كان شاهداً للحق أكثر أمانة وأخلاصاً من فالنتينوس ومرقيون وسائرالهراطقة ...
وحول كثيرين من المضلين السابق ذكرهم الى كنيسة الله . معلناً أنه تسلم من الرسل هذه الطريقة الواحدة الوحيدة الحق الذى سلمته الكنيسة .
و هناك من سمعوا منه أن يوحنا تلميذ الرب ، إذ أراد الأستحمام فى أفسس ورأى كيرنثوس داخل الحمام , وغادره فى الحال دون أن يستحم صارخاً . لنهرب لئلا يسقط الحمام لأن كيرنثوس عدو الحق بداخله .
وبوليكربس نفسه إذ رآه مرة مرقيون وقال له : أتعرفنا ؟ أجاب أنا أعرفك أول مواليد ( بكر ) الشيطان .
هكذا كان حرص الرسل وتلاميذهم , حتى أنهم كانوا يرفضون مجرد الحديث مع من لا يقبلون الحق . كما قال بولس أيضاً ( تى 3: 10، 11 ) : الرجل المبتدع بعد الإنذارمرة ومرتين أعرض عنه , عالماً أن مثل هذا قد أنحرف وهو يخطئ محكوماً عليه من نفسه .
ومن أقوال تلميذه إيريناوس " إن غيرة القديس بوليكربس على حفظ نقاوة التعليم الإنجيلى كانت بهذا المقدار متقدة , حتى أنه كان حين يتفق له أن يسمع بعض كلمات مضادة للحقيقة كان يسد أذنيه ويهرب من المكان قائلاً " أواه يا إلهى الصالح على تعاسة الزمان الذى حفظتنى اليه " .
بوليكربس فى رومه
يقول الدكتور أسد رستم " وأم مرقيون رومه حوالى السنة 140 و كتم غنوسيته و نفح كنيسة رومه بهبة جليلة وعكف على " قرض " انجيل لوقا ورسائل بولس وعلى تصنيف كتابه فى التوراة والانجيل . ولما تم له ذلك كشف عن وجهه الحقيقى ودعا الى أرائه ، فألتفت حوله عدد من المسيحين , فطردته الكنيسة وطرحت هبته .
وأغتنم القديس بوليكاربوس فرصة وجوده فى روما فى السنة 154 فأنقذ من الضلال عدداً من أتباع مرقيون . وحكى ان مرقيون ندم وإرتضى بما إشترطته الكنيسة عليه ولكنه توفى قبل أن يفعل . ولا نعلم سنة وفاته بالضبط .
بوليكربوس الشهيد
لما شرع مرقس اوريليوس فى أضطهاد المسيحين , صب والى آسيا جامات غضبه عليهم , فأحتمل مسيحيو سميرنا الكثير من أجل الإيمان . فحنق الوثنيون على القديس بوليكاربوس لعلمهم أنه هو الذى يشددهم , فصرخوا فى أجتماعه قائلين" ليبعد المنافقون، ويقبض على بوليكاربوس "
فعزم الوالى على القبض عليه . أما هو فلم يبالى بذلك ، غير أن المؤمنين طلبوا منه الأختفاء الى فترة ما . فلما ألحوا عليه وافق على ذلك ، فأختفى عدة أيام فى منزل خارج المدينة مواظباً على الصلاة والتضرع من أجل رعيته .
وقبل القبض عليه بثلاثة أيام أنبأه الرب برؤيا فى حلم ، إذ الوسادة التى كان راقداً عليها ملتهبة ناراً ، فأنتبه من رقاده وفهم ما تدل عليه . فجمع أصدقاءه وقال لهم بوجه باش " إعتقدوا ياإخوتى إنى عما قليل أحترق حياً من أجل سيدنا يسوع . فليكن مخلصى الجزيل العذوبة مباركاً وممجداّ فقد أهلنى لأن أموت شهيداً ".
فى نفس الوقت كان الوثنيون يفتشون عنه لكى يقتلوه قبل نهاية العيد الذى كانوا محتفلين به ، وحال خروجه من المكان الأول وصل إليه الجنود وإذ لم يجدوه قبضوا على ولدين من أبناء ذلك المكان ، فضربوا أحدهم ضرباً مبرحاً حتى أجبروه على أن يخبرهم عن المكان الذى كان بوليكربس مختبئاً فيه . فدخل الجنود المنزل وقد كان قادراً على الهروب ، لكنه أبى ذلك . بل رفع عيناه الى السماء وهتف قائلاً " لتكن مشيئتك يا رب فى كل شئ " ثم قدم نفسه للجند وأعد لهم غذاء وطلب منهم أن يهلوه ساعة واحدة يصلى فيها .
تعجب الجند من هيبته ووداعته وبشاشته وعذوبة حديثه حتى قال أحدهم " لماذا هذا الأجتهاد البليغ فى طلب موت هذا الشيخ المحترم ؟ " .
فطلب منه الجند أن يخرج معهم ، ثم أركبوه جحشاً ، وفى الطريق وجدهم هيرودس أحد أكابر الدولة مع أبيه نيكيتاش فأركبه فى مركبته ، وشرع الأثنان يقولان له " أنك قد شخت وليس لك قدره على إحتمال العذاب ، فالأجدر بك ان تدعو قيصر سيداً وتقرب الضحية لتخلص بحياتك من هذا الموت المهين " . أما القديس فتظاهر كأنه لم يسمع كلامهما ، ولم يجبهما بكلمة . وإذ ألحا عليه قال " إننى لا أستطيع أن أصنع ما تشيران به علي .وهكذا لا السجن ولا الجوع ولا أى صنف أخر من العذاب ، بل ولا الموت نفسه يمكن أن يجعلنى أنفذ طلبكم " فأغتاظا منه جداً فأهناه وشتماه وطرحاه من المركبة بعنف فسقطا على الأرض وجرحت ساقه جرحاً خطيراً.
فركب الجحش مزدرياً بالأهانة والألم مكملاً سيره مهللا, حتى بلغ مكان الأستعراض المعد لقتله ، حيث كان الوالى ينتظره مع جمهور كثير من الوثنين .
وقد قيل عنه أنه لما بلغ هذا المكان سمع صوتاً يناديه " ليتشدد قلبك يابوليكربس وباشر أمر الله بشجاعة " . وقد سمع كثيرون ذلك الصوت اما الوثنيون فأخذوا يصيحون ويهتفون طالبين قتله .
وإذ نظره الوالى وقد إنحنى من الشيخوخة وإبيضت لحيته سأله قائلاً "هل أنت بوليكاربوس الأسقف " فأجاب بالإيجاب .
فطلب منه الوالى أن يرثى لشيخوخته والا سامه العذاب الذى لا يحتمله الشباب ، ثم آمره أن ينادى بهلاك المنافقين وأن يحلف بحياة قيصر . فتنهد القديس قائلاً " نعم ليهلك المنافقون ".
فأنذهل الوالي وقال إذن فأحلف بحياة قيصر وإلعن المسيح وأنا أطلقك ".
-لقد مضى ستة وثمانون عاماً أخدم فيها المسيح ,وشراً لم يفعل معي قط ,بل أقتبل منه كل يوم نعماً جديدة. فكيف أهين حافظي والمحسن إليَ , وكيف أغيظ مخلصي وإلهي والقاضي الأعلى العتيد أن يكافئ الأخيار وينتقم من الأشرار المنافقين.
-إعلم أنك إن لم تطع أمري فستحرق حياًوتطرح فريسة للوحوش.
-إني لا أخاف النار التي تحرق الجسد , بل تلك النار الدائمة التي تحرق النفس. وأما ما توعدتني به من أنك تطرحني للوحوش المفترسة فهذا أيضاً لا أبالي به. إحضر الوحوش وأضرم النار فها أنا مستعد للحريق والإفتراس.
-ينبغي أن ترضي الشعب.
-ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس... ( وختم حديثه قائلاً ): ماذا تنتظرون. إسرعوا بأنجاز ما تريدون. قال ذلك بشجاعة ووجهه يشع نوراً حتى أنذهل الوالي عندما تفرس فيه .
وبحسب العادة هتف مناد قائلاً " أن بوليكربس قد إعترف بكونه مسيحياً " فصرخ الجمع بصوت عظيم قائلاً " هذا هو معلم أقاليم آسيا. هذا هو أبن المسيحين. هذا هو المبيد لآلهتنا. لتفترسه الوحوش " .
فأعلن الوالي بأن أيام العيد التي يسمح فيها بأطلاق الوحوش في الأستعراضات قد انتهت. فاتفق الجميع على حرقه بالنار .
أسرع الوثنيون و جمعوا الحطب و الأخشاب ليضرموا نار شديدة في ميدان الألعاب . و بينما هم يستعدون لإشعال النار كان القديس بوليكربس يخلع ثيابه استعدادا للحريق ولما حاولوا تسميرة على خشبة حتى لا يتحرك من شدة العذاب , قال لهم " إتركوني هكذا فان الذي وهبني قوة لكي أحتمل شدة حريق النار , هو نفسه يجعلني ألبث فيها بهدوء بدون الحاجة الي مساميركم " .
فأوثقوا يديه وراء ظهره وحملوه واضعين إياه على الأحطاب كما لو كان ذبيحة على المذبح. وكان يصلي للرب شاكراً إياه الذي سمح له أن يموت شهيداً , قائلاً:
" أيها الآب الأزلي أقبل ما أعطيتني من الحياة ذبيحة لعزتك. أنت رب العالمين وآن لسيدي يسوع المسيح الذي به عرفناك لأنه أحبنا حتى الموت موت الصليب. وبه أقدم لك نفسي معترفاً بايمانه تمجيداً لأسمك الكريم وأشكرك من كل قلبي على أنك احصيتني مع الشهداء القديسين وأشركتني في شرب كأس آلام إبنك الوحيد. فأحمدكوأمجدك وأباركك أنت وذلك الإبن الأزلي الذي يحيا ويملك معك ومع الروح القدس إلى دهر الداهرين آمين " .
وإذ إنتهى من صلاته تقدم إليه الجنود وأوقدوا النار من كل جهة , فصعد اللهيب وأحاط به , لكن لم يمسه شئ بل فاحت رائحة بخور ذكية تخرج من النار. فلما عاين الوثنيون ذلك تقدم أحدهم وطعنه بآلة حادة , فتدفقت دماؤه بغزارة وأطفأت النار, وبذلك انتلقت روحه الطاهرة في 25 نيسان 166 م .
من كتاب الشهيدان اغناطيوس وبوليكربوس
القمص تادرس يعقوب ملطي










LinkBack URL
About LinkBacks










رد مع اقتباس
مواقع النشر (المفضلة)