الصوم الأربعيني (الكبير):
بوشر بالصوم الأربعيني في القرن الثالث للميلاد وألحق به في الربع الثاني من القرن الرابع صوم أسبوع الآلام الذي كان يصام قبل ذلك التاريخ بمدة طويلة. فصار الصوم الأربعيني سبعة أسابيع مع أسبوع الآلام.
وفرض الصوم الأربعيني تذكيراً للمؤمنين بجهاد الرب يسوع، وصومه في البرية، والرب الذي لا يحتاج إلى صوم استهل تدبيره الإلهي العلني بالجسد بالصوم فصام أربعين يوماً وأربعين ليلة وجاع أخيراً (مت 4: 2) ليعلّمنا الصوم والجهاد الروحي ضد إبليس. وقد ظفر بإبليس المجرّب، وأعطانا أيضاً أن نغلبه باسم الرب، بل كشف لنا مرة سر النصر الروحي بقوله: «وأما هذا الجنس فلا يخرج إلا بالصلاة والصوم» (مت 17: 21).
وكان المؤمنون يصومون الصوم الأربعيني انقطاعاً عن الطعام والشراب حتى العصر، ثم يفطرون متناولين الطعام الصيامي المقتصر على الخبز والماء المملح والبقول والحبوب والفواكه والزيوت النباتية فقط. وكانوا خلاله خاصة يوزّعون الصدقات على الفقراء. بهذا الصدد يقول مار أفرام السرياني (373+) في القرن الرابع:
«صُمْ (أيها المؤمن) الصوم الأربعيني وتصدّق بخبزك على الجائع، وصلِّ سبع مرات يومياً كما تعلمت من (النبي داود) ابن يسّى».
ونصّت القوانين الكنسية على وجوب ممارسة المؤمنين كافة الصوم الأربعيني المقدس وحكمت على المخالفين من ذوي الرتب والدرجات الكهنوتية والعلمانيين بالعقوبات الكنسية الصارمة.
ويستثنى من الصوم الانقطاعي يوما السبت والأحد، ففيهما يُحتفل بالقداس الإلهي وبعد القداس يتناول الصائم طعاماً صيامياً. وفي هذا الصدد جاء في قوانين الرسل:«كل من يصوم يوم الأحد أو السبت ما خلا سبت البشارة (النور)، إن كان إكليريكياً يُجرّد من رتبته، وإن كان علمانياً يُفْرز» وقال العلامة ابن العبري (1286+) في كتاب الحمامة (ب2ف6) الذي ألّفه لفائدة الرهبان والنسّاك الذين لا مرشد لهم: «يجب أن يحلّ الصوم في أيام السبوت والآحاد وذلك حفظاً للقوانين». وتقديساً ليوم الأحد لا تبدأ كنيستنا السريانية المقدسة أي صوم من الأصوام فيه، فإذا صادف ذلك فإكراماً ليوم الرب، نبدأ الصوم صباح يوم الإثنين، وينقص بذلك عدد أيام ذلك الصوم في تلك السنة يوماً واحداً.
ومنعت إقامة ولائم الأعراس في الصوم الأربعيني، بموجب قرار مجمع اللاذقية عام 364 كذلك منع ذلك المجمع الاحتفال فيه بالقداس الإلهي وبتذكار الشهداء إلاّ في يومي السبت والأحد ـ واستعيض عن القداس في أيام الصوم بطقس رشُم كُسُا رسم الكأس أو ما يسمّى بالقداس السابق تقديسه ـ الذي أدخله إلى كنيستنا في أوائل القرن السادس البطريرك مار سويريوس الكبير (538+). فلا يحتفل بالقداس الإلهي في الصوم الأربعيني إلاّ أيام السبت والأحد ما خلا أربعاء نصف الصوم وجمعة الأربعين وخميس الفصح وسبت البشارة (النور) وإذا وقع عيد البشارة في الصوم فيحتفل فيه بالقداس الإلهي حتى لو صادف وقوعه في جمعة الآلام العظيمة ويتناول المؤمن بعد القداس الطعام الصيامي.
وبهذا الصدد نصّ القانون الخامس من الباب الأول الفصل الخامس من كتاب الهدايات لابن العبري ما يلي: «إن الكنيسة تعيّد عيد البشارة في اليوم الذي يصادف وقوعه» وذلك كونه أساس الأعياد السيدية. وعليه فإننا لا نحوّل هذه الأعياد من يوم إلى يوم على الإطلاق. وإننا لا نتناول طعاماً صيامياً إكراماً للصوم في جمعة الصلبوت أو سبت البشارة (النور) ونصلي الصلاة المفروضة وإذا وقع عيد دخول السيد المسيح إلى الهيكل في اثنين الصوم الكبير فيحتفل بالقداس الإلهي ولئن كان ذلك نادراً كما وقع عام 1915 وكما سيكون عام 2010 فإذا كان ذلك يجب أن يحتفل فيه بصلاة العيد وتقدّم فيه الذبيحة الإلهية صباحاً حسب العادة. وأما صلاة الصوم فتصلّى عند الظهر ثم يفطر المؤمن أي يحلّ صوم الإمساك عن الطعام. أما صلاة الغفران (شوبقونو) فتؤجل إلى صباح اليوم التالي.
وقد حرمت الكنيسة شرب الخمر وسائر المشروبات الروحية خلال أيام الأصوام.
إن الكنيسة المقدسة لا تبغي بتخصيص أيام للصوم، تمنع فيها تناول هذا الطعام أو ذاك، كون هذا الطعام محرّماً وذاك محللاً، في هذا اليوم أو ذاك. بل هي تهدف إلى إخضاع إرادة المؤمن للّه تعالى بالعفة وممارسة الفضائل السامية، وخاصة فضيلة الطاعة لأوامر اللّه التي تصدر على لسان عبيده أحبار الكنيسة الذين منحهم سلطان الحلّ والربط ليشرّعوا القوانين، ويضعوا الأحكام والنظم لما فيه خير المؤمنين ولتمجيد اسم اللّه القدوس.
وحيث أن الكنيسة هي أم رؤوم، ومعلمة صالحة، لا تحمّل المؤمنين أعباء ثقيلة لا يستطيعون إلى حملها سبيلاً، متذكرة قول الرب: القائل: «وويل لكم أنتم أيها الناموسيون لأنكم تُحمِّلون الناس أحمالاً عَسِرَة الحمل وأنتم لا تَمَسُّون الأحمال بإحدى أصابعكم» (لو 11: 46) فمن هذا المنطلق فسّح الطيب الذكر البطريرك الياس الثالث (1932+) في أكل السمك في أيام الصوم الأربعيني، وسمح لأبناء الكنيسة في أميركا أن يصوموا الأسبوعين الأول والأخير فقط من الصوم الأربعيني بالإضافة إلى أيام الأربعاء والجمعة. وفسّح لهم في الإفطار بقية أيامه.
وفسّح الطيب الذكر البطريرك أفرام الأول برصوم (1957+) في مثل هذا إجابة إلى ملتمس الكنيسة في الهند فضلاً عن تخفيفه الأصوام الأخرى للجميع وذلك عام 1946م وسمح الطيب الذكر البطريرك يعقوب الثالث (1980+) بصوم الأسبوعين الأول والأخير من الصوم الأربعيني فقط بالإضافة إلى أيام الأربعاء والجمعة للإكليروس والشعب، وفسّح لهم في استعمال جميع الأطعمة في بقية أيامه وذلك عام 1966 كما فسّح في إقامة الولائم والأعراس والعماد والقداس والتذكارات في جميع الأيام التي تتوسّط الأسبوعين المذكورين.
يأتي تفسيح أسلافنا البطاركة الميامين، للمؤمنين بتقليل أيام الصوم الأربعيني، من باب الرحمة بهم لئلا يكسروا الوصية ويكونوا موضع غضب اللّه تعالى ـ لا سمح اللّه ـ فمن استغلّ هذا التفسيح لا يخطئ ويعتبر في عداد مَن لم يكسر الوصية. أمّا من صام أيام الصوم الأربعيني وأسبوع الآلام كلها فيضاعف اللّه له الأجر.
وعلى ذوي الرتب والدرجات الكهنوتية الكبرى والصغرى، ما عدا الشيوخ فيهم والمرضى، أن يقيموا من أنفسهم قدوة صالحة للمؤمنين ليتمثّلوا بهم بحفظ أحكام الرب وشرائعه المقدسة، بالتزام فريضة الصوم الأربعيني المقدس وأسبوع الآلام المحيية، كما مارسها آباؤنا الأولون القديسون منقطعين عن الطعام والشراب من منتصف الليل حتى بُعيد منتصف النهار وأن يتناولوا بعدئذ طعاماً صيامياً خالياً من الدسم «والزفر» وحبذا لو مارس المؤمنون كافة فريضة الصيام بهذه الطريقة المثلى.
صوم الفصح:
إن أول صوم وضعته الكنيسة هو صوم الفصح الذي يسمّى أيضاً صوم الآلام ، فيه ينقطع المؤمنون عن الطعام والشراب من عصر يوم الجمعة العظيمة ذكرى آلام الرب وصلبه وموته وإلى ما بعد نصف ليلة أحد القيامة، وذلك للمشاركة بالآلام المحيية، التي تحمّلها ربنا يسوع المسيح من أجل خلاص البشرية، ولنشاركه آلامه من أجلنا إتماماً لقول الرسول بولس: «أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته، فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما قام المسيح من بين الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً في جدّة الحياة. لأنه إن كنا قد صرنا متّحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته» (رو 6: 3و4). وكانت الكنيسة تمارس هذا الصوم وتحتفل بذكرى آلام الرب يسوع وموته وقيامته كل ثلاث وثلاثين سنة، ولما رأت أن الكثيرين يولدون ويموتون دون أن يحظوا بمشاهدة هذه الذكرى، احتفلت به سنوياً. ومع تمادي الزمن أضيفت إلى هذا الصوم الأيام الأربعة السابقة له، فصار أسبوعاً كاملاً دعي أسبوع الآلام وكان يصام حتى العصر انقطاعاً عن الطعام والشراب ويفطر فيه على الخبز والماء المملح، ويصام في أيامنا أيضاً انقطاعاً عن الطعام إلى الظهر أو إلى العصر ثم يتناول الصائمون طعاماً صيامياً يقتصر على الحبوب والبقول والفواكه، وخالياً من اللحوم ومنتجات الحيوانات وحتى الحلويات مشاركة بآلام الفادي الذي عند عطشه أعطوه خلاً ممزوجاً بمرارة.










LinkBack URL
About LinkBacks


رد مع اقتباس
مواقع النشر (المفضلة)