انطيوخس ابيفانس
وفرضه اقامة الشعائر الوثنية وشناعة الخراب وتدنيس الهيكل





43 وكتب الملك أنطيوكس إلى مملكته كلها بأن يكونوا جميعهم شعبا واحدا، ويتركوا كل واحد سننه.
44 فأذعنت الأمم بأسرها لكلام الملك.
45 وكثيرون من إسرائيل ارتضوا دينه، وذبحوا للأصنام، ودنسوا السبت.
46 وأنفذ الملك كتبا على أيدي رسل إلى أورشليم ومدن يهوذا، أن يتبعوا سنن الأجانب في الأرض.
47 ويمتنعوا عن المحرقات والذبيحة والسكيب في المقدس،
48 ويدنسوا السبوت والأعياد،
49 وينجسوا المقادس والقديسين،
50 ويبتنوا مذابح وهياكل ومعابد للأصنام ويذبحوا الخنازير والحيوانات النجسة،
51 ويتركوا بنيهم قلفا، ويقذروا نفوسهم بكل نجاسة ورجس، حتى ينسوا الشريعة ويغيروا جميع الأحكام.
52 ومن لا يعمل بمقتضى كلام الملك يقتل.
53 وكتب بمثل هذا الكلام كله إلى مملكته بأسرها، وأقام رقباء على جميع الشعب،
54 وأمر مدائن يهوذا بأن يذبحوا في كل مدينة.
55 فانضم إليهم كثيرون من الشعب، كل من نبذ الشريعة فصنعوا الشر في الأرض.
سفر المكابيين الاول ص 1 : 43-55


إلى جوار حنق أنطيوخس على اليهودية ومخططاته الاستعمارية الكثيرة، فقد كانت له رغبة قوية في جعل المملكة متحدة، وهو ما يتناغم مع رغبة الإسكندر الأكبر. ومن ثم فقد قرّر فرض ثقافة واحدة وعقيدة واحدة، فأصدر مرسوماً ملكياً يُلزم جميع سكان مملكته بمختلف أجناسهم ولغاتهم وثقافاتهم وعقائدهم، باتباع ما يقرره من الالتزام بالنظام الدينى الجديد، وبذلك يكون ذلك المرسوم قد نقض الميثاق السابق الذى منحه أبوه - أنطيوخس الثالث الكبير- لليهود في سنة 198ق.م. والذي اعترف فيه بشريعة موسى ناموساً لهم ونظاماً شرعياً، كما فعل ملوك فارس مع اليهود من قبل إبان فترة السبى.
وقد كان أمره ببناء المذابح والهياكل مخالفة صريحة للشريعة والتي تأمر بوجود المذابح في الهيكل فقط وفي الوقت ذاته هو هيكل واحد فقط (تثنية 12: 5-29) ولذلك يأمر أنطيوخس بأن تقام المذابح في كل مدينة (آية 51) ليؤكد على هذا المعنى، فالكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي: bomos وتعني مذبح غير شرعي (هوشع 10: 8 و عاموس 7: 9)(1).
وبموجب هذا الميثاق من قبل أنطيوخس إبيفانس، أصبح التمسك بالشريعة والعبادة اليهودية، مخالفة صريحة لدستور المملكة تستحق القتل، ومن هنا نشأ الاضطهاد السلوقى لليهود، وظل اليهود يعانون أشد المعاناة، ولم يُنقض هذا الميثاق (المرسوم) إلاّ من خلال خليفته أنطيوخس الخامس، والذي أعاد لليهود الحرية الدينية من جديد (1 مكا 6: 57 – 71 و 2 مكا 11: 22 – 26).

كان أنطيوخس في الواقع وبمهارة شيطانية يضرب بذلك أعمدة اليهودية نفسها: الهيكل والسبت والختان والطقوس والتي كانت في الواقع -ضماناً يحمى هذه العبادة – وفرض لحم الخنزير، والذي كان ُيفزع اليهود ليس فقط لأن الشريعة تنهي عنه (لاويين 11: 7 و تثنية 14: 8) بل أيضا بسسب التقاليد المتوارثة عنه، وكثيراً ما يمتنع التلمود عن ذكر اسم الخنزير، بل يستخدم رموزاً له تدل على الكراهية، وكذلك بدائلا للاسم مثل "شىء آخر" راجع (أمثال 11: 22 و إشعياء 65: 4 و 16: 3، 17 و متى 7: 16) وكان تقديم الخنزير كقربان، أمر شائع لدى الأمم القديمة في منطقة الهلال الخصيب (هيرودوت 2: 57).
وقد نظر السلوقيين إلى الشريعة باعتبارها كتاب يحرّض على مقاومة الملك وعباداته، مما يعوق مسيرة التغيير التي يقودها، وبالتالي فإن امتلاك نسخة من التوراه ُيعتبر في حد ذاته عملاً من أعمال التمرد (آية 56) وكان هذا الإجراء شائعاً في العالم القديم ضدّ الكتابات التي ُتعتبر مضادة للحاكم والحكومة (إرميا 36)(1).

استجاب لهذا الميثاق أو هذه الدعوة كافة البلاد التابعة لمملكة السلوقيين، بل ونسبة أيضا لا بأس بها من اليهود أنفسهم لاسيما داخل فلسطين، وذلك بعد خطابات رسمية موجهة منه إلى جميع المدن اليهودية (آية 44). ولكن ماذا تحمل هذه الدعوة فى طياتها؟
إنها تعنى أمرين
أولهما التخلى عن مظاهر الدين اليهودى
وثانيهما إقامة الشعائر الوثنية.

ففى الشق الأول ُمنع الختان، وعوقب بالقتل كل من المختون ثم الذي أجرى الختان بل ومَن سعى في اجرائه (الأم مثلاً)، وقد ذكر السفر حادثة تؤيد ذلك (2 مكا 6: 10) وكان الختان على وجه الخصوص يعنى "الانتماء ليهوه". وكذلك ُمنعت الاحتفالات التي كانت تقام للسبت (اليوم الأسبوعى للشعائر) سواء أكان ذلك فى الهيكل بأورشليم أو بالمجامع في مختلف القرى والبلاد، ثم مُنعت الذبيحة اليومية فى الهيكل وهو ما يعتبر بحد ذاته كارثة بالنسبة لليهود، إذ أن وقف الذبيحة يعنى تخلى الله عنهم وتخليهم هم في المقابل عن واجباتهم من نحوه. وُيلاحظ أن قرار أنطيوخس لم ُيشر إلى ذبائح السلامة والخطية، وانما المحرقات والذبيحة والسكائب، وهذه التقدمات الثلاث هي التي تمثل الخدمة اليومية المستمرة (سفر العدد 28: 3-8). هذا وُيورد يوسيفوس نصّ خطاب من أنطيوخس يعفي السامريين من الاضطهاد، حيث يرد أن السامريين قدّموا التماسا إلى أنطيوخس ألاّ يعتبرهم مثل اليهود حتى وان كانت هناك بينهم صلة قربى(1).

وفى المقابل أمر بتقديم الذبائح للإله زيوس في القرى والمدن فماذا كان يعنى ذلك؟.

شناعة الخراب على مذبح المحرقات
57 وفي اليوم الخامس عشر من كسلو في السنة المئة والخامسة والأربعين، بنوا رجاسة الخراب على المذبح وبنوا مذابح، في مدن يهوذا من كل ناحية.
58 وكانوا يقترون على أبواب البيوت وفي الساحات،
59 وما وجدوه من أسفار الشريعة مزقوه وأحرقوه بالنار،
60 وكل من وجد عنده سفر من العهد أو اتبع الشريعة، فإنه مقتول بأمر الملك،
61 هكذا كانوا يفعلون بسطوتهم في إسرائيل بالذين يصادفونهم في المدن شهرا فشهرا،
62 وفي اليوم الخامس والعشرين من الشهر ذبحوا على مذبح الأصنام الذي فوق المذبح.
63 والنساء اللواتي ختن أولادهن قتلوهن بمقتضى الأمر.
64 وعلقوا الأطفال في أعناقهن، ونهبوا بيوتهن، وقتلوا الذين ختنوهم
سفر المكابيين الاول الاصحاح 1 : 57 - 64

كان ذلك في الحقيقة بمثابة اضطهاد منظّم من قبل المملكة، وكان ذلك يعنى في الفكر اليهودى: (التعدّي على حقوق الله) بحسب الترجمة اللاتينية، بينما في اليونانية التعدى على "الأوامر" أو "الشعائر" (آية 49) (1) وفى المقابل أمر الملك بإقامة المذابح على اسم الإله زيوس (زفس) في كل قرية ومدينة، وربما حدّد موقع المذبح في المكان الذي يجتمع فيه اليهود للعبادة فى تلك النواحى، رغبة من الملك في احلال عبادة زيوس محلّ عبادة يهوه، على أن ُتقدم على تلك المذابح، ذبائحاً على اسم الإله الوثني في ذكرى عيد ميلاد الملك والذي كان يوافق الخامس والعشرين من كل شهر. ولا شك أن هذه العبادة كانت تحمل في طياتها عبادة الملك نفسه والذي نادى بنفسه إلهاً، أو بمعنى آخر اعتقد أنه تجسدّ للإله زيوس على الأرض!! وربما من هنا جاء لقب "إبيفانس" المرتبط باسمه (ويعنى الظاهر أو المتجلّي) وهكذا فإن الذبائح كانت في الواقع تقدم باسمه وله.
وكان ذروة ذلك في الخامس عشر من شهر كسلو من سنة 145 سلوقية (ويقع في النصف الأول من ديسمبر سنة 167ق.م.) ذلك عندما جعل هيكل أورشليم هيكلاً للإله زيوس الأوليمبى، نسبة إلى الألعاب الأوليمبية التي كانت تقام بالقرب من أورشليم على شرفه، وهو يماثل ما فعله بهيكل جرزيم بالسامرة حين حّوله هيكلا للإله زيوس المضياف، وقدّم خنزيرة كذبيحة على المذبح، وهو الأمر الذى استشنعه اليهود، ورأوا فيه تحقيقاً لنبوة دانيال "وتقوم منه أذرع وتنجّس المقدس الحصين وتنزع المحرقة الدائمة وتجعل الرجس المخرّب والمتعدون على العهد يغويهم بالتملقات أما الشعب الذين يعرفون إلههم فيقوون ويعملون " (دانيال 11: 31، 32 ) ثم يحدد النبى الموعد بدقة بالغة فيقول "ومن وقت إزالة المحرقة الدائمة وإقامة رجس الخراب حتى تطهير الهيكل ألف ومئتان وتسعون يوماً" (دانيال 12: 11 قارن مع (متى 24: 15وما يليه).


ولكن لماذا اختار أنطيوخس اليوم "الخامس عشر" من شهر " كسلو"؟:
ربما كان تقويم الاحتفالات السوري الوثني هو الذي جعل أنطيوخس يختار شهر كسلو، بينما الممارسات الطقسية اليهودية واليونانية هي التي جعلته يختار الخامس عشر، فقد بدأ تكريس هيكل سليمان في الشهر السابع (أخبار الأيام الثاني 5: 3) حيث بدأ الاحتفال في الخامس عشر من الشهر (لاويين 23: 34، 39) أما بالنسبة لليونانيين فقد كان وقت اكتمال القمر (البدر) حوالي الخامس عشر: وقتاً مناسباً لبداية الأشياء لديهم.


تأثير الاحتفالات الوثنية في المنطقة المحيطة:
ففي فينيقية كانت هناك دورة الأعياد الأدونية المنسوبة للإله الشعبي أدونيس، على مدار السنة وخاصة في نهاية فصل الحصاد في تلك المنطقة. أمّا الحثيين فكان لديهم ثمانية عشر عيدا موزعة على مدار السنة ومجموعة أخرى تأتي بعد عيد الحصاد ..أما الإغريق فكان العيد االرئيسي الكبير هو: الساتورناليا، والذي يجيء في نفس توقيت عيد الحانوكا اليهودي في شهر ديسمبر.
وكان التقويم الإغريقي تقويم ديني في جوهره، وكانت شهور كثيرة تسمى بأسماء ما يقع فيها من أعياد دينية، فالشهر الأول هو شهر هكتمبيون(يوليو/أغسطس) .....وفي الشهر الرابع البيانبيسيون كان يحتفل بأعياد البيانيسيا والأسكوفوريا والثسموفوريا، وكانت نساء الأغريق في هذا الشهر(وهوالموافق لديسمبر) يعظمن دمتر ثسموروس بإقامة طقوس أرضية مخزية.


من هذا الكلام يتضح لنا لماذا اختار أنطيوخس هذا الشهر بالذات للإحتفال بعيده الوثني، إذ أن هذا الشهر حسب التقويم اليوناني الذي كان يتبعه، كان به احتفالات الدعارة الجماعية وهو الأمر الشائع والمتأصّل في منطقة الهلال الخصيب منذ أقدم العصور، وفي العصور اليونانية عرفت بإسم الأعياد الأدونية، نسبة للإله أدونيس وهو إله الشمس.
فمن خلال عيد الساتورناليا "عيد الشمس التي لا تقهر" في 25 ديسمبر ومن خلال الأعياد اليونانية والكنعانية القديمة عرفنا لماذا اختار هذه الأيام بالذات ولماذا ارتبط هذا العيد المذكور هنا بالنجاسة، وذلك لإقامة طقوس الدعارة الجماعية الذي كان يحتفل به مرتين في السنة عند الربيع و في هذا اليوم بالذات. لأن فيه يبدأ النهار يطول مرة أخرى، ونتيجة لإرتباط هذه الآلهة بالشمس والخصب فقد أقاموا لها هذا العيد في هذه الفترة ..(1)
وهكذا سميت هذه التعديات " شناعة الخراب " (دانيال 9: 27) راجع أيضا (2مكا 6: 1 – 11) والتي هي مذبح بعمل شمايم أو زيوس الأوليمبى، وهو ما يؤكده يوسيفوس من أن رجس (وثن) الخراب هو بناء مذبح الأصنام على مذبح المحرقة في الهيكل حيث وصفه قائلاً (المذبح الذي فوق المذبح) ويوحى (2 مكا 6: 2) بأنه مكرس باسم زيوس الأوليمبى(1).


وجاءت رجسة الخراب في العديد من المراجع التلمودية بـ ( تمثال لزيوس الأوليمبي ( التلمود الأورشليمي – السبت 11: 4 ) وجاءت في مراجع أخرى: رجسة الخراب كانت وجه ملك، أو وجه كلب . والبعض قدم أبحاثا في أن رجسة الخراب كان إله الفينيقيين بعل شمايم، وهكذا جاءت في الترجمة الآرامية لمكابيين الثاني 6: 2 " بعل شامين " وقد وضعوا التمثال في واجهة الهيكل كعادة اليونان في وضع تماثيل آلهتهم في مقدمة هياكلهم.
وكان هذا السلوك وهذا التاريخ هو الطريقة التي خلّد بها أنطيوخس عمله هذا، ويقول يوسيفوس أن السامريين بالفعل كانوا يسمون أنطيوخس "الإله المتجسد". وتوحى (الآية 55) بإقامة الُنصب والتماثيل في الشوارع، وبوجود رجال دين وثنيين يجتهدون في نشر العبادات الوثنية من خلال الطقوس والثقافة.

أبواب البيوت والساحات
وكانوا يقترون على أبواب البيوت وفي الساحات،
(مكا الاول : ص 1 والأية58)
كان ذلك لضمان اشتراك السكان، والمعنى هنا يتضمن الذبح أيضاً وليس مجرد البخور (وكان هذا الأمر معروفاً في المدن اليونانية خلال القرن الثاني ق.م. أي الذبح عند أبواب البيوت)(2) وكان في ذلك مخالفة صريحة –وربما متعمدة- لما ورد في الشريعة (تثنية 12: 5-18) راجع أيضاً إدانة الهياكل غير الشرعية في (حزقيال 16: 25،31) كما نجد أن عبادة ملكة السماء كانت تمارس في مدن يهوذا وشوارع أورشليم.



القتل والانتقام
الآيتين - 60 - 61 من سفر المكابيين الاول الاصحاح 1
60 وكل من وجد عنده سفر من العهد أو اتبع الشريعة، فإنه مقتول بأمر الملك،
61 هكذا كانوا يفعلون بسطوتهم في إسرائيل بالذين يصادفونهم في المدن شهرا فشهرا،
ومع الوقت راح جنود أنطيوخس ينتقمون من الرجال المخالفين لأوامر الملك، باعتبارهم جماعة معاندة تشجع آخرين على التمرد، وانتشروا كفرق إرهاب في المدن اليهودية، ويعنى تعبير "شهر بعد شهر" أن أعمال العنف كانت تتجدد من شهر لآخر فى مناسبة العيد الشهرى في الخامس والعشرين، حيث الذبيحة الشهرية ل"زيوس" وهو في الواقع عيد ميلاد أنطيوخس (2مكا 6: 7) وما يصاحب ذلك من رفض اليهود مما يعرضهم بالتالى للأذى.



معاقبة المختونين :
63 والنساء اللواتي ختن أولادهن قتلوهن بمقتضى الأمر.
كان الختان على وجه الخصوص يعنى الانتماء الدينى والقبلى ل"يهوه" وبالتالى فقد كان الغرض من منع الختان هو الرغبة في تفتيت هذه الهويّة، اضافة إلى تقزّز السلوقيين – لاسيما في ظل الحضارة الهيلينية – من اجراء الختان، وقد ُاعتبر كل مختون مثله في ذلك مثل جميع الذين اشتركوا في عملية الختان، عمليا أو معنوياً أو دينياً ُمعرِضين جميعاً للعقاب، وفي هاتين الآيتين يتحدث كاتب السفر عن حادثة جرت بالفعل، حيث ُيؤكد الوصف ذلك، راجع (2 مكا 6: 10).

ركب لم تجثو لبعل
65 وإن كثيرين في إسرائيل عزموا وصمموا في أنفسهم على أن لا يأكلوا نجسا، واختاروا الموت لئلا يتنجسوا بالأطعمة،
66 ولا يدنسوا العهد المقدس فماتوا.
67 وكان على إسرائيل غضب شديد جدا.
سفر المكابيين الاول ص 1 : 65-67


ولكن ومع كل ذلك وعلى الرغم من شناعة ما اقترفه انطيوخس واقامة الشعائر الوثنية وشناعة الخراب وتدنيس الهيكل والقتل والتدمير فقد وقف الكثير من اليهود موقفاً بطولياً تجاه هذا الاضطهاد، وذلك استباقاً للشهداء المسيحيين وجميع المعترفين الذين حافظوا على "حقوق الله" فى مواجهة عروض الشر، ودافعوا عن الشريعة والناموس والتقليد، وهكذا ُوجد العديد من اليهود ممن لم يذعنوا لهذه الدعوة.

وقد نتج عن ذلك ما يشبه "كنيسة السراديب" سواء في روما إبان عصور الاضطهاد، أو في الإتحاد السوفيتى في القرن العشرين، حيث انتشرت أماكن العبادة تحت الأرض وفي الكهوف والمغائر، وكان اليهود يمارسون احتفالات السبت في مثل هذه الأماكن بعيداً عن رقابة السلوقيين، وكذلك الختان وبقية الصلوات والأعياد، ومراعاة الطعام الطقسى وغيرها.

وهكذا تبقت آلاف الركب التي لم تجثُ لبعل (ملوك أول 19: 18).
لله في كل جيل شهود وركب تأبي أن تجثو لبعل، وعلى أكتاف هؤلاء يصنع الله التغيير، وبهم يعمل ليحقق مشيئته، فقد ثار جماعة الأتقياء علي هذه الأوضاع المتردَية في أورشليم، فالإحداث الواردة أدت إلى اثارة حفيظة جماعة التقاة بين اليهود والذين ُيسمّون الحسيديين، قد كانوا يمثلون الضمير اليهودى، فعندما حرّكتهم الغيرة المقدسة لم يجدوا سبيلاً إلى الإصلاح سوى المقاومة المسلحة وأما الذي أطلق هذه الشرارة (بدء الثورة) فهو كاهن يدعى متتيا Mattathia، وقد نشأ هذا الكاهن في قرية تدعي "مودين" الواقعة بجوار "اللد" وهو عميد عائلة تسمى "عائلة حشمون" أو هاسمون أو حشمناي وهذا ما سنراه بالتفصيل عند دراسة الثورة المكابية.

انتهى