1 اسمعي لي أيتها الجزائر، واصغوا أيها الأمم من بعيد: الرب من البطن دعاني. من أحشاء أمي ذكر اسمي
2 وجعل فمي كسيف حاد. في ظل يده خبأني وجعلني سهما مبريا. في كنانته أخفاني
3 وقال لي: أنت عبدي إسرائيل الذي به أتمجد
4 أما أنا فقلت: عبثا تعبت. باطلا وفارغا أفنيت قدرتي. لكن حقي عند الرب، وعملي عند إلهي
5 والآن قال الرب جابلي من البطن عبدا له، لإرجاع يعقوب إليه، فينضم إليه إسرائيل فأتمجد في عيني الرب، وإلهي يصير قوتي
6 فقال: قليل أن تكون لي عبدا لإقامة أسباط يعقوب، ورد محفوظي إسرائيل. فقد جعلتك نورا للأمم لتكون خلاصي إلى أقصى الأرض
7 هكذا قال الرب فادي إسرائيل، قدوسه، للمهان النفس، لمكروه الأمة، لعبد المتسلطين: ينظر ملوك فيقومون. رؤساء فيسجدون. لأجل الرب الذي هو أمين، وقدوس إسرائيل الذي قد اختارك
اشعياء 49 :1-7
الحديث هنا موجه إلى الأمم، إذ يقول: "اسمعي ليّ أيتها الجزائر، واصغوا أيها الأمم من بعيد" [1]. فقد دُعى الأمم "جزائر الأمم" (تك 10: 5)، إذ كانوا يتطلعون إلى جزائر البحر الأبيض المتوسط بكونها المناطق البعيدة الغربية والغريبة عن إسرائيل؛ وقد دعى الأمم "من بعيد" لأنها لم تدخل في شركة مع إسرائيل.
يتحدث السيد المسيح المخلص إلى الأمم معلنًا الآتي:
أ. مدعو من البطن: "الرب من البطن دعاني" [1]. يظن بعض الدارسين أن المتحدث هنا باسم إسرائيل بكون الله اختار شعبه قبل أن يوجد، وهو في صلب إبراهيم وفي أحشاء سارة؛ وظن البعض أنه كورش الذي أختاره الله لتحقيق رسالته قبل أن يوجد؛ لكن الواضح أن الحديث هنا باسم السيد المسيح، كلمة الله المتجسد؛ فقد كرز رئيس الملائكة جبرائيل للعذراء بميلاده قبل أن تُحبل به ودُعى يسوع لأنه يُخلص شعبه من خطاياهم (مت 1: 21)، لذا قيل "من أحشاء أمي ذكر أسمي" [1].
ب. صاحب سلطان: "وجعل فمي كسيف حاد" [2]. وقد قيل عن السيد المسيح:
"وسيف ماضِ ذو حدين يخرج من فمه" (رؤ 1: 16)، كما قيل عنه أنه كان يتكلم كمن له سلطان وليس كالكتبة والفريسيين (مت 7: 29). لقد دخل المعركة ضد عدو الخير إبليس بكلمته التي هي كسيف ذي حدين (عب 4: 12).
ج. اختفاء سرّ المسيح وعمله الخلاصي الإنجيلي ودعوته الأمم للإيمان وراء ظلال الناموس الموسوي والنبوات، إذ يقول "في ظل يده خبأني" [2]. لعله عَنىَ بهذا القول أيضًا ما حدث في طفولته حيث ثار هيرودس عليه وأراد قتله فأرسل الآب ملاكًا ليوسف يأمره بالهروب إلى مصر. لقد صار الكلمة جسدًا، ابن الله صار ابنًا للبشر، لهذا في اتضاعه سار في طريقنا كواحد منا يرعاه الآب بحمايته كما في ظل يده، وهو قادر أن يأمر الطبيعة فتهلك هيرودس وكل مقاوميه.
"وجعلني سهمًا مبريًا (لا يصدأ)، في كنانته أخفاني" [2]. بكونه كلمة الله فهو سهم لا يصدأ، اختفى وراء الظلال والرموز حتى جاء ملء الزمان فأعلن ذاته خلال الصليب كسهم صُوِّبَ ضد إبليس وجنوده فجردهم من سلطانهم وأشهرهم جهارًا ظافرًا بهم (كو 2: 15). إنه السهم القاتل للشر، وواهب جراحات الحب الإلهي للنفوس المؤمنة التي تصرخ "إنيّ مريضة حبًا" (نش 2: 5؛ 5: 8).
د. بالصليب خضع الابن مطيعًا للآب، صار من أجلنا عبدًا لكي يتمجد الآب فيه، ويتمجد هو أيضًا في ضعف الصليب. "وقال ليّ: أنت عبدي إسرائيل الذي به أتمجد، أما أنا فقلتُ: عبثًا تعبتُ باطلاً، وفارغًا أفنيتُ قدرتي، لكن حقي عند الرب وعملي عند إلهي" [4].
يتساءل البعض: من هو عبده إسرائيل؟ أنه السيد المسيح الذي جاء من اليهود، وقبل بإرادته العبودية مع أنه مساوٍ للآب في الجوهر (فى 2: 7). جاء كعبد ليرفع العبيد فيّه إلى البنوة لله، بهذا مجّد الآب وتمجّد هو أيضًا خلال الضعف، إذ يقول الرسول: "وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب، لذلك رفَّعه الله أيضًا واعطاه اسمًا فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب" (فى 2: 8-11).
في لحظات الآلام حين ظهر رب المجد كما في ضعف قال: "أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته، والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان ليّ عندك قبل كوْن العالم" (يو 17: 4-5).
إن كان الصليب عارًا وضعفًا من الخارج لكنه مجد من الداخل. يقول العلامة أوريجانوس: [لا نتردد في القول بأن صلاح المسيح يظهر بطريقة أعظم وبالنور الإلهي... لأنه "وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب" (فى 2: 6-8)].
الصليب أيضًا مجد لأنه صالح الآب مع البشر، وفتح أمامنا باب الفردوس لنشارك الرب مجده ونعيش معه نُسبحه مع السمائيين.
يرى البعض أن ما قيل هنا أيضًا يُخص الكنيسة المختفية في المخلص بكونها إسرائيل الجديد هذه التي تمجد الله خلال قبولها شركة الآلام والصلب مع مسيحها فتنعم بقوة قيامته وبهجتها، لهذا استحقت أن تسمع الصوت الإلهي: "أنت عبدي إسرائيل الذي به أتمجد". أما هي ففي آلامها تقول: "عبثًا تعبتُ باطلاً وفارغًا أفنيتُ قدرتي، لكن حقي عند الرب وعملي عند إلهي" [4].
هـ. نجاح رسالة السيد المسيح في ضمه الأمم إلى الإيمان: إن كان السيد قد ظهر على الصليب في ضعف حتى فارقه الجميع، إذ جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله (يو 1: 11)، صار مجروحًا في بيت أحبائه (زك 13: 6)، فقال: "عبثًا تعبتُ باطلاً، وفارغًا أفنيتُ قدرتي" [4]؛ هذا هو مظهر الصليب الخارجي، أما عمله الداخلي فيعلنه الآب بقوة قائلاً للمصلوب: "قليلٌ أن تكون ليّ عبدًا لإقامة أسباط يعقوب، وردّ محفوظي إسرائيل، فقد جعلتُك نورًا للأمم لتكون خلاصي إلى أقصي الأرض" [6]. وكأنه يقول للابن المصلوب: إن عملك الفدائي لا يمكن أن يُحد ثمره في حدود شعب معين وإنما يمتد إلى أقصي الأرض فتكون نورًا للأمم وسرّ الخلاص الإلهي لكل البشر.
عندما حمل سمعان الشيخ الطفل يسوع قال: "لأن عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته قدام جميع الشعوب، نور إعلان للأمم ومجدًا لشعبك إسرائيل" (لو 2: 30: 31). كما قال بولس وبرنابا: "لأنه هكذا أوصانا الرب، قد أقمتك نورًا للأمم لتكون أنت خلاصًا إلى أقصي الأرض" (أع 13: 46-47). يقول العلامة أوريجانوس: [لو لم يصر عبدًا ما كان يقيم أسباط يعقوب ولا يغيّر قلب إسرائيل المشتت، ولما صار نورًا للأمم لخلاص أقصي الأرض].
جاء مسيحنا نورًا للشعوب والأمم؛ النور الحقيقي الذي يضيء كل إنسان آتِ في العالم (يو 1: 9)، يدعونا من الظلمة إلى النور (1 بط 2: 9) حتى نسلك في النور ونصير أبناء للنور وأبناء للنهار (1 تس 5: 5)، بل ونصير نورًا للعالم (مت 5: 14). بهذا يتحقق قول إشعياء النبي: "لا تكن لك بعد الشمس نورًا في النهار، ولا القمر ينير لك مضيئًا، بل الرب يكون لك نورًا أبديًا وإلهك زيتًا؛ لا تغيب بعد شمسك، وقمرك لا ينقص لأن الرب يكون لك نورًا أبديًا" (إش 6: 19-20). يُضيئ المخلص - نور الأمم - على النفس بكونها عروسه فتُدرك خفيات الحكمة (أى 11: 6).
أهانه اليهود وجحوده طالبين صلبه وقبلته الشعوب الوثنية وخضعت له بالإيمان وقبلت عمله. لهذا دُعي السيد "المهان النفس"، "مكروه الأمة"، "عبد المتسلطين" إذ تسلط عليه الأشرار وابغضوه واهانوه؛ وفي نفس الوقت قيل "ينظر ملوك فيقومون، رؤساء فيسجدون" [7]. حيث يقوم الملوك عن كراسيهم في حضرته ويسجد له الرؤساء متعبدين له
التفاصيل:
آيات (1، 2) اسمعي لي أيتها الجزائر وأصغوا ايها الأمم من بعيد الرب من البطن دعاني من أحشاء أمي ذكر اسمي. وجعل فمي كسيف حاد في ظل يده خبأني وجعلني سهما مبريا في كنانته أخفاني.
المتكلم هو المسيح فالصفات المذكورة بعد ذلك لا تنطبق إلا عليه.
أيتها الجزائر = كان اليهود يتطلعون للجزائر في البحر المتوسط أنها بعيدة عن اليهود وغريبة عنهم.
الأمم من بعيد = فالمسيح مرسل لكل الأمم. وهم من بعيد لأنهم في كل أنحاء العالم، وهم من بعيد إذ لم يدخلوا في شركة مع الله كاليهود من قبل. في (ص 48) كان يكلم اليهود وهنا نجده يكلم الأمم.
الرب من البطن دعاني = هذه إشارة للتجسد، والمسيح سمى يسوع أي مخلص قبل أن يولد "في بشارة الملاك للعذراء". جعل فمي كسيف = هو صاحب سلطان راجع (رؤ 1: 16 + رؤ 2:16 + مت 7: 29 + كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين (عب 4: 12) سهماً مبرياً = السهم يستخدم لضرب الأعداء البعيدين، فهو سهم ضد إبليس. وهو سهماً مبرياً، أي غير صدأ، مصقول. فالمسيح شهد له أعداءه "لم يتكلم إنسان قط هكذا مثل هذا الإنسان، ولم يستطيع أحد أن يجيبه بكلمة. في ظل يده خبأني = الله حفظه حتى الساعة المعينة من الأعداء الحانقين، فكان يختفي من وسطهم عدة مرات حين كانوا يريدون قتله قبل أن تأتى ساعة الصليب. والآية تعنى أيضاً أن الله كتم سر إرسال إبنه حتى جاء ملء الزمان. وهو خبأ حقيقته عن الشياطين فلم يعرفوه وهو أي المسيح كان سره مكتوماً مخبأ في النبوات. ثم ظهر بغتة كسهم مصوب ضد إبليس على الصليب. وهو سهم موجه للمؤمنين يجرحهم حباً (نش 2: 5) ويجعلهم مشتاقين إليه كل حين، لا يتحدثون سوى عنه ولا يستمعون سوى له.
آيات (3،4) وقال لي أنت عبدي إسرائيل الذي به أتمجد. أما أنا فقلت عبثا تعبت باطلا وفارغا أفنيت قدرتي لكن حقي عند الرب وعملي عند الهي.
الذي به أتمجد= قارن مع (يو 17: 4،5) فالمسيح بصليبه تمجد ومجد الآب، فبه صالح الآب مع البشر. عبثاً تعبت = هذا لسان حال المسيح وهو على الصليب معلق واليهود شامتين رافضين والتلاميذ هاربين مشتتين. هذا مظهر الصليب الخارجي وأما عمله وفاعليته الحقيقيتين فيظهران في آيات (5،6).
آيات (5،6) والآن قال الرب جابلي من البطن عبدا له لإرجاع يعقوب إليه فينضم إليه إسرائيل فأتمجد في عيني الرب والهي يصير قوتي. فقال قليل أن تكون لي عبدا لإقامة أسباط يعقوب ورد محفوظى إسرائيل فقد جعلتك نورا للأمم لتكون خلاصي إلى أقصى الأرض.
جابلي من البطن = تجسد المسيح من الروح القدس ومن العذراء مريم آخذاً صورة عبد وهذا ليرجع يعقوب إلى الإيمان ويترك عبادة الأوثان، وليرجع بالتوبة، ليرجع إلى الله بإيمانه بالمسيح المخلص فينضم إسرائيل = قد تكون نبوة بعودة اليهود في المستقبل، ولكنها تشير لدخول الأمم = إسرائيل الله (غل 6:16) فالمسيح كان قليلاً عليه أن ياتى ليخلص اليهود، بل هو أتى لخلاص كل الأمم.
آية (7) هكذا قال الرب فادي إسرائيل قدوسه للمهان النفس لمكروه الأمة لعبد المتسلطين ينظر ملوك
فيقومون رؤساء فيسجدون لأجل الرب الذي هو أمين وقدوس إسرائيل الذي قد اختارك.
مكروه الأمة = يسمى التلمود المسيح "المنبوذ المصلوب أو المسيح الأبرص" عبد المتسلطين = كان المسيح كعبد وهو يقف بين يدي بيلاطس وهيرودس وكان كالمهان النفس = هذا كان نبوة عما سيحدث للمسيح فسيكون متضعاً فقيراً مرفوضاً. ينظر ملوك فيقومون = جاء للملكة فيكتوريا رئيس إفريقي وثنى يسألها إلام تنسبين نجاح إمبراطوريتك فقالت لهذا وأعطته إنجيلاً، وقالت أنا مؤمنة بالمجيء الثاني، وربما أن الله أطال عمري ليعطيني فرصة أن أضع تاجي عند قدمي السيد المسيح عندما يجيء. وهذا حال كثيرين من الملوك المؤمنين. لأجل الرب الذي هو آمين فالله يتمجد في كنيسته التي إشتراها وطهرها ولا يخيب رجاء أحد المتكلين عليه. الذي قد إختارك = فالله إختار المسيح أي أرسله لمهمة الفداء والخلاص.
مواقع النشر (المفضلة)